محمد بن علي الشوكاني
5669
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أحوال المشائخ الكمل القائمين الذين لم يخافوا لومة لائم ، لكن السيف المفرق للمفارق لم يكن وضع على أعداء الدين إلا باستقامة تلك القوم المنصورة ، فلا يرفع عنهم - إن شاء الله تعالى - إلى قيام القيامة كما ورد ، وأظن أن [ 2 ] هذه القوم هي المبشرة بها . قوله : فما قال غير خاف على ذي الفطنة القويم ، وصاحب الطبع المستقيم أن مدار القياس هو مماثلة المقيس والمقيس عليه ، فيبطل القياس بدونه ، فإذا قياس العلامة قول الرجل : أنت سيدنا على قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قياس مع الفارق ، وذلك باطل كما في محله ، فإن السيد في موضع التخاطب والتكاتب يراد به المالك ( 1 ) ، فلا يصح إطلاقه على هذه الحيثية إلا على المالك حقيقة كالواحد القهار ، أو مجازا كملاك العبيد ؛ ولذا أباح - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للعبيد ذلك دون غيرهم ، ونهاهم عن إطلاق لفظ الرب ( 2 ) .
--> ( 1 ) انظر " فتح الباري " ( 5 / 179 - 180 ) . ( 2 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2552 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 2249 ) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يقل أحدكم : أطعم ربك وضئ ربك ، وليقل : سيدي مولاي ، ولا يقل أحدكم : عبدي ، أمتي ، وليقل : فتاي وفتاتي وغلامي " . قال الحافظ في " الفتح " ( 5 / 179 ) : وفيه نهي العبد أن يقول لسيده : ربي ، وكذلك نهي غيره ، فلا يقول له أحد : ربك ، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه ، فإنه قد يقول لعبده : اسق ربك ، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه ، والسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى ؛ لأن الرب هو المالك والقائم بالشيء ، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى . قال الخطابي : سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله وترك الإشراك معه ، فكره له المضاهاة في الاسم ؛ لئلا يدخل في معنى الشرك ، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد ، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة كقوله : رب الدار ورب الثوب . قال ابن بطال : لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب ، كما لا يجوز أن يقال له إله . قال الحافظ ابن حجر : والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة ، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه في قوله تعالى حكاية عن يوسف - عليه السلام - : { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } وقوله : { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ } ، وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أشراط الساعة : " أن تلد الأمة ربها " فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق ، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه .